الشيخ أبو عمر أسامة العتيبي

عرض المقال
الشيخ أبو عمر أسامة العتيبي
2905 زائر
29-01-2013

الحمد لله ، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله أما بعد:

إن من صفات الراسخين في العلم هو الأخذ بالمحكم من الكتاب والسنة، ورد ما تشابه إلى المحكم ..

قال تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ {7} رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}

وقال النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((إنَّ القرآنَ لم ينْزِلْ يكذب بعضُهُ بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالِمِهِ)) رواه الإمام أحمد في المسند، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، والطبراني في الأوسط وغيرهم وهو حديث صحيح، وأصله في صحيح مسلم(4/2053رقم2666).

قال ابن كثير -رحمهُ اللهُ- في تفسيره(1/345) : "فمن ردَّ ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده؛ فقد اهتدى، ومن عكس انعكس".


وقد ورد إطلاق الإحكام على كتاب الله على ثلاثة أوجه :


الوجه الأول: أن القرآن كله محكم، قال تعالى: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}، والمراد بالإحكام هنا : الإتقان، فهو متقن لأنه مُنَزَّلٌ من رب العالمين، الحكيم الخبير.

الوجه الثاني: أن القرآن كله متشابه، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}

والتشابه هنا بمعنى التماثل والتناسب في الإتقان فهو يشبه بعضه بعضاً في إعجازه وحسن ألفاظه، ويُصَدِّقُ بعضُهُ بعضهاً فلا يتناقض، ولا يختلف{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}.

الوجه الثالث : أن القرآن منه آيات محكمات وأخر متشابهات، وقد سبق ذكر الآية.

وهو موضوع كلامي في شرح هذا السبب.

فالمحكم من الكتاب والسنة هو: ما دل بنفسه دلالة واضحة على معناه الذي لا يقبل نسخاً ولا يحتمل تأويلاً.

كالأمر بالتوحيد والصلاة وبقية أركان الإسلام..

وكقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}.

وكقوله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- : ((تسمع وتُطيع للأمير، وإن ضُرِبَ ظهرُك وأُخذ مالُك، فاسمع وأطع)) رواه مسلم في صحيحه من حديث حذيفة -رضي الله عنه- .

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)). متفق عليه من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- .


وعن سلمة بن يزيد الجعفي -رضي الله عنه- أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألون حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيسٍ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم )) رواه مسلم في صحيحه.

فهذه كلها نصوص محكمة، واضحة الدلالة، قد دل على صحتها الشرع والعقل، وهي أساس في جلب المصالح ودرء المفاسد فلا تحتمل تأويلاً، ولا تقبل نسخاً.

لأن القواعد العامة التي قامت عليها شرائع الإسلام لا تحتمل تأويلاً ولا نسخاً.

فقتل المؤمن عمداً بغير حق محرم في جميع الشرائع، وأعظم الشرائع نهياً عن ذلك شريعة الإسلام.

وكذلك السمع والطاعة لولاة الأمر من المسلمين وإن كانوا ظالمين وجائرين واجب بالكتاب والسنة والإجماع إلى قيام الساعة.


التحذير من اتباع المتشابه


## وقد حذر الله ورسوله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- من اتباع المتشابه حتى قالت عائشة -رضي اللهُ عنها- تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية : {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)).

والمتشابه: هو ما يشتبه ويلتبس معناه على غير الراسخين في العلم.

وقيل هو : ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوعِ استدلالٍ أو رَدٍّ إلى غيرِه.

والمتشابه نوعان :


النوع الأول: متشابه حقيقي، فلا يعلم حقيقته وكيفيته إلا الله تعالى.

من ذلك مفاتيح الغيب الخمسة فلا يعلمها إلا الله ، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}، وقد بينها في قول -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

وآيات الصفات والغيبيات ليست من المتشابه بل من المحكم، وتجرى على ظاهرها مع تفويض كيفيتها إلى الله -عزَّ وجلَّ- فهو العالم بذلك .

إلا ما ورد النص بكيفيته من مخلوقات الله المغيبة عنا .

وما ورد النص بكيفيته من المخلوقات المغيبة عنا لا نتجاوز النص، ولا نسعى لتنزيلها في غير مواقعها كعلامات الساعة، وأحاديث الفتن.

فكيفية الصفات من المتشابه الذي نفوض علمه إلى الله.

النوع الثاني: متشابه إضافي ، وهو ما كان متشابهاً عند الناظر في النص فلم يفهم معناه والمراد به.

وسبب هذا التشابه والالتباس يعود إلى أمرين:

الأمر الأول: تقصير الناظر في الاجتهاد والنظر والتأمل في النصوص، وهذا قد يكون سببه العجلة، أو الهوى، أو المداهنة أو غير ذلك.

الأمر الثاني: زيغان الناظر باتباعه الهوى فلا يوفق لفهم النص، ولا معرفة المراد به، بل يفسره ويفهمه بطريقة يكون بها مخالفة الشريعة وزيادة في الغي والضلال.

قال تعالى عن اليهود : {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وقال تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً}

قال الشاطبي -رحمهُ اللهُ- في كتاب الموافقات(3/92-93) : " والثاني: وهو الإضافي، ليس بداخل في صريح الآية، وإن كان في المعنى داخلاً فيه، لأنه لم يصر متشابهاً من حيث وضع في الشريعة، من جهة أنه قد حصل بيانه في نفس الأمر.

ولكن الناظر قَصَّرَ في الاجتهاد، أو زاغ عن طريق البيان اتباعاً للهوى.

فلا يصح أن ينسب الاشتباه إلى الأدلة، وإنما ينسب إلى الناظرين: التقصيرُ أو الجهلُ بمواقع الأدلة، فيطلق عليهم أنهم متبعون للمتشابه، لأنهم إذا كانوا على ذلك مع حصول البيان فما ظنك بهم مع عدمه؟! فلهذا قيل إنهم داخلون بالمعنى في حكم الآية.

ومن أمثلة هذا القسم ما تقدم آنفاً للمعتزلة والخوارج وغيرهم" انتهى كلامه.

وحال الخوارج والإرهابيين في زماننا الذين قاموا على ولاة الأمر وخرجوا عليهم، أو ألَّبوا على ذلك، وقتلوا المؤمنين والمعاهدين والمستأمنين، وحكموا على أعمال صحيحة إجماعاً بالبطلان والتحريم.

وكل هذا من الخوارج والإرهابيين بسبب اتباعهم المتشابه دون الرجوع إلى المحكم .

قال الشاطبي -رحمهُ اللهُ- في كتاب الاعتصام(1/312) : "من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، أو في العمومات من غير تأمل هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس، بأن يكون النص مقيداً فيطلق، و خاصاً فيعم بالرأي من غير دليل سواه، فإن هذا المسلك رَمْيٌ في عماية واتباع للهوى في الدليل، وذلك أن المطلق المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيد، فإذا قيد صار واضحاً".


أمثلة لاتباع الإرهابيين للمتشابه الإضافي والحقيقي


وهذا ما نشاهده اليوم من الإرهابيين والخوارج الذين فجروا ودمروا في بلاد المسلمين.

فإنهم ينقضون العهود بين المسلمين وبين الكفار بشبهة أن الحاكم المسلم كافر وأن المشرك لا يجوز له دخول جزيرة العرب!!

فالأمر بالوفاء بالعقود والعهود، وتعظيم أمرها من المحكم الواضح الذي لا يحتمل تأويلاً ولا نسخاً..

فجاء هؤلاء الخوارج فنقضوا العهود والمواثيق بشبه أوهى من بيت العنكبوت ملبسين على الناس دينهم.

وكذلك تفسيرهم لقوله تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} بأن من حكم بغير ما أنزل الله كافر دون تفصيل وتبيين كما ورد في الكتاب والسنة ، فأخذوا ببعض القرآن وتركوا بعضه.

وكذلك فهمهم الباطل لقوله تعالى: {إنِ الحكمُ إلا للهِ}، وبهذه الآية وأمثالها كفر الخوارج علياً -رضي اللهُ عنه-، وإخوانه من الصحابة -رضي اللهُ عنهم-، وخرجوا عليهم، وقتل النفس المؤمنة، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض.

قال الحافظ ابن حجر -رحمهُ اللهُ- في فتح الباري(6/619) : "وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم لا حكم إلا الله، وانتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها".



ومن ضلال الخوارج والإرهابيين فيما يتعلق بالمتشابه الحقيقي تنزيل أحاديث المهدي على أناس لا تنطبق عليهم الأوصاف الواردة في السنة كادعاء جهيمان أن محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي، وادعاء الكاهن "زهير فائق النكهة" –وقيل-والله أعلم- هو يوسف العييري الخارجي المقتول على أيدي المجاهدين من رجال الأمن في السعودية- أن المهدي سيأتي في شهر كذا، وادعاء بعضهم أن أبا عمر السيف هو المهدي، ونحو ذلك من الادعاءات الباطلة.

فاتباع المتشابه كان له الأثر الكبير في وقوع الإرهاب وامتداد جذوره، وتفريخه في أماكن عديدة.

وثمة بعض الناس ينتسبون إلى السنة ويظهر عليهم الغلو والتنطع في الدين، فبدعوا أهل السنة، وطعنوا فيهم، وأطلقوا ألسنتهم في أعراضهم دون وازع من خلق أو دين بل باتباع الهوى والمتشابه.

وظهر على هؤلاء بعض الأعراض التي كانت ظاهرة على الخوارج كمسألة الهجر وإرجاعها إلى الجهال والضُّلال، والتعميم في التبديع، ومعاملة المبتدع أو الفاسق كأنه كافر، وتبديع من لا يستحق ذلك، والجرأة العجيبة في ذلك، والتسلسل العجيب في التبديع، فيبدعون شخصاً سلفياً، ثُمَّ يبدعون من لا يبدعه، ثُمَّ هذا الذي بدعوه بسبب الأول يبدعون من لا يبدعه-أيضاً- وهكذا ..

وجهلهم بقاعدة المصالح والمفاسد، وإطلاق ألسنتهم في العلماء، وسلوك طريقة التعسير والتضييق والعنت والحرج، وغير ذلك من أعراض الخوارج التي ظهرت على بعض من يدعي السلفية وممن يتعلقون ببعض الغلاة من المتمشيخين الجهلاء.

فيخشى على هؤلاء أن يقعوا فيما وقع فيه الخوارج، ويخشى عليهم أن يجرهم ما هم فيه إلى تكفير المسلمين والخروج عليهم.

مع أن ما هم فيه من الغلو والتنطع، والجرأة في الهجر والتبديع من خصال الخوارج وأخلاقهم وخاصة القعدة منهم.

فليحذر المسلمون من هذه الآفة ألا وهي اتباع المتشابه، وليعلموا أنها من أعظم أسباب الإرهاب وطرقه الموصلة إليه .

وبالابتعاد عن اتباع المتشابه، وبرده إلى المحكم نكون قد قطعنا طريقاً من طرق الإرهاب، وقضينا على سبب من أسبابه.



والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

كتبه: أبو عمر أسامة العتيبي

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة